قواعـد العقـائد
في عقيدة أهل السنة والجماعة
قال
الإمام حجة الإسلام أبو حامد محمد بن محمد الغزالي رحمه الله :
الحمد للّه المبدئ
المعيد ، الفعال لما يريد ، ذي العرش المجيد ، والبطش الشديد ، الهادي صفوة العبيد
، إلى المنهج الرشيد ، والمسلك السديد ، المنعم عليهم بعد شهادة التوحيد ، بحراسة
عقائدهم عن ظلمات التشكيك والترديد ، السالك بهم إلى اتباع رسوله المصطفى واقتفاء
آثار صحبه الأكرمين المكرمين بالتأييد والتسديد ، المتجلي لهم في ذاته وأفعاله
بمحاسن أوصافه التي لا يدركها إلا من ألقى السمع وهو شهيد ، المعرف إياهم أنه في
ذاته واحد لا شريك له ، فرد لا مثيل له ، صمد لا ضد له ، منفرد لا ند له وأنه واحد
قديم لا أول له ، أزلي لا بداية له ، مستمر الوجود لا آخر له ، أبدي لا نهاية له ،
قيوم لا انقطاع له ، دائم لا انصرام له ، لم يزل ولا يزال موصوفاً بنعوت الجلال ،
لا يقضى عليه بالانقضاء والانفصال ، بتصرم الآباد وانقراض الآجال ، بل {هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم} ،
وأنه ليس بجسم مصور ، ولا جوهر محدود مقدر ، وأنه لا يماثل الأجسام ، لا في
التقدير ولا في قبول الانقسام ، وأنه ليس بجوهر ولا تحله الجواهر ، ولا بعرض ولا
تحله الأعراض ، بل لا يماثل موجوداً ، ولا يماثله موجود {ليس
كمثله شيء} ولا هو مثل شيء ، وأنه لا يحده المقدار ، ولا تحويه الأقطار ،
ولا تحيط به الجهات ، ولا تكتنفه الأرضون ولا السماوات ، وأنه مستو على العرش ،
على الوجه الذي قاله ، وبالمعنى الذي أراده ، استواء منـزهاً عن المماسة
والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال ، لا يحمله العرش ، بل العرش وحملته محمولون
بلطف قدرته ، ومقهورون في قبضته ، وهو فوق العرش والسماء ، وفوق كل شيء إلى تخوم
الثرى ، فوقية لا تزيده قرباً إلى العرش والسماء ، كما لا تزيده بعداً عن الأرض
والثرى ، بل هو رفيع الدرجات عن العرش والسماء ، كما أنه رفيع الدرجات عن الأرض
والثرى ، وهو مع ذلك قريب من كل موجود ، وهو أقرب إلى العبد من حبل الوريد {وهو على كل شيء شهيد} إذ لا يماثل قربه قرب الأجسام ،
كما لا تماثل ذاته ذات الأجسام ، وأنه لا يحل في شيء ولا يحل فيه شيء ، تعالى عن
أن يحويه مكان ، كما تقدس عن أن يحده زمان ، بل كان قبل أن خلق الزمان والمكان ،
وهو الآن على ما عليه كان ، وأنه بائن عن خلقه بصفاته ، ليس في ذاته سواه ، ولا في
سواه ذاته ، وأنه مقدس عن التغير والانتقال ، لا تحله الحوادث ، ولا تعتريه
العوارض ، بل لا يزال في نعوت جلاله منـزهاً عن الزوال ، وفي صفات كماله مستغنياً
عن زيادة الاستكمال ، وأنه في ذاته معلوم الوجود بالعقول ، مرئي الذات بالأبصار
نعمة منه ولطفاً بالأبرار في دار القرار ، وإتماماً منه للنعيم بالنظر إلى وجهه
الكريم ، وأنه تعالى حي قادر ، جبار قاهر ، لا يعتريه قصور ولا عجز ، ولا تأخذه
سنة ولا نوم ، ولا يعارضه فناء ولا موت ، وأنه ذو الملك والملكوت ، والعزة
والجبروت ، له السلطان والقهر ، والخلق والأمر ، والسماوات مطويات بيمينه ، والخلائق
مقهورون في قبضته ، وأنه المنفرد بالخلق والاختراع ، المتوحد بالإيجاد والإبداع
خلق الخلق وأعمالهم ،
وقدر أرزاقهم وآجالهم ، لا يشذ عن قبضته مقدور ، ولا يعزب عن قدرته تصاريف الأمور
، لا تحصى مقدوراته ، ولا تتناهى معلوماته ، وأنه عالم بجميع المعلومات ، محيط بما
يجري من تخوم الأرضين إلى أعلى السماوات ، وأنه عالم لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في
الأرض ولا في السماء ، بل يعلم دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة
الظلماء ، ويدرك حركة الذر في جو الهواء ويعلم السر وأخفى ، ويطلع على هواجس
الضمائر ، وحركات الخواطر ، وخفيات السرائر ، بعلم قديم أزلي لم يزل موصوفاً به في
أزل الآزال ، لا بعلم متجدد حاصل في ذاته بالحلول والانتقال ، وأنه تعالى مريد
للكائنات ، مدبر للحادثات ، فلا يجري في الملك والملكوت قليل أو كثير ، صغير أو
كبير ، خير أو شر ، نفع أو ضر ، إيمان أو كفر عرفان أو نكر ، فوز أو خسران ، زيادة
أو نقصان ، طاعة أو عصيان ، إلا بقضائه وقدره ، وحكمته ومشيئته ، فما شاء كان ،
وما لم يشأ لم يكن ، لا يخرج عن مشيئته لفتة ناظر ولا فلتة خاطر ، بل هوالمبدئ
المعيد ، الفعال لما يريد ، لا راد لأمره ، ولا معقب لقضائه ، ولا مهرب لعبد عن
معصيته ، إلا بتوفيقه ورحمته ، ولا قوة له على طاعته ، إلا بمشيئته وإرادته ، فلو
اجتمع الإنس والجن والملائكة والشياطين على أن يحركوا في العالم ذرة أو يسكنوها
دون إرادته ومشيئته لعجزوا عن ذلك ، وأن إرادته قائمة بذاته في جملة صفاته ، لم
يزل كذلك موصوفاً بها ، مريداً في أزله لوجود الأشياء في أوقاتها التي قدرها فوجدت
في أوقاتها كما أراده في أزله ، من غير تقدم ولا تأخر ، بل وقعت على وفق علمه
وإرادته ، من غير تبدل ولا تغير ، دبر الأمور لا بترتيب الأفكار ولا تربص زمان ،
فلذلك لم يشغله شأن عن شأن ، وأنه تعالى سميع بصير ، يسمع ويرى ولا يعزب عن سمعه
مسموع وإن خفي ، ولا يغيب عن رؤيته مئي وإن دق ، ولا يحجب سمعه بُعد ولا يدفع
رؤيته ظلام ، يرى من غير حدقة وأجفان ، ويسمع من غير أصمخة وآذان ، كما يعلم بغير
قلب ، ويبطش بغير جارحة ، ويخلق بغير آلة ، إذ لا تشبه صفاته صفات الخلق ، كما لا
تشبه ذاته ذوات الخلق ، وأنه تعالى متكلم آمر ناه ، واعد متوعد بكلام أزلي قديم
قائم بذاته ، لا يشبه كلام الخلق ، فليس بصوت يحدث من انسلال هواء أو اصطكاك أجرام
، ولا بحرف ينقطع بإطباق شفة أو تحريك لسان ، وأن القرآن والتوراة والإنجيل والزبور
كتبه المنـزلة على رسله عليهم السلام ، وأن القرآن مقروء بالألسنة ، مكتوب في
المصاحف ، محفوظ في القلوب ، وأنه مع ذلك قديم ، قائم بذات اللّه تعالى ، لا يقبل
الانفصال والافتراق ، بالانتقال إلى القلوب والأوراق ، وأن موسى صلى اللّه عليه
وسلم سمع كلام اللّه بغير صوت ولا حرف ، كما يرى الأبرار ذات اللّه تعالى في
الآخرة من غير جوهر ولا عرض.
وأنه سبحانه وتعالى لا
موجود سواه إلا وهو حادث بفعله وفائض من عدله ، على أحسن الوجوه وأكملها ، وأتمها
وأعدلها ، وأنه حكيم في أفعاله عادل في أقضيته ، لا يقاس عدله بعدل العباد ، إذ
العبد يتصور منه الظلم بتصرفه في ملك غيره ولا يتصور الظلم من اللّه تعالى ، فإنه
لا يصادف لغيره ملكاً حتى يكون تصرفه فيه ظلماً ، فكل ما سواه من إنسٍ وجن ومَلَكٍ
وشيطان وسماءٍ وأرض وحيوانٍ ونبات وجماد وجوهرٍ وعَرَض ومدركٍ ومحسوس حادثٌ اخترعه
بقدرته بعد العدم اختراعا ، وأنشأه إنشاء بعد أن لم يكن شيئا ، إذ كان موجوداً
وحده ولم يكن معه غيره ، فأحدث الخلق بعد ذلك إظهاراً لقدرته ، وتحقيقاً لما سبق
من إرادته ، ولِمَا حق في الأزل من كلمته ، لا لافتقاره إليه وحاجته ، وأنه متفضل
بالخلق والاختراع والتكليف لا عن وجوب ، ومتطول بالإنعام والإصلاح لا عن لزوم ،
فله الفضل والإحسان والنعمة والامتنان ، إذ كان قادراً على أن يصب على عباده أنواع
العذاب ، ويبتليهم بضروب الآلام والأوصاب ، ولو فعل ذلك لكان منه عدلاً ولم يكن
منه قبيحاً ولا ظلماً ، وأنه عز وجل يُثَبّت عبادَهُ المؤمنين على الطاعات بحكم
الكرم والوعد ، لا بحكم الاستحقاق واللزوم ، إذ لا يجب عليه لأحد فعل ، ولا يتصور
منه ظلم ، ولا يجب لأحد عليه حق ، وأن حقه في الطاعات وجب على الخلق بإيجابه على
ألسنة أنبيائه عليهم السلام ، لا بمجرد العقل ، ولكنه بعث الرسل وأظهر صدقهم بالمعجزات
الظاهرة ، فبلّغوا أمره ونهيه ، ووعده ووعيده فوجب على الخلق تصديقهم فيما جاءوا
به ، وأنه بعث النبي الأمي القرشي محمداً صلى اللّه عليه وسلم برسالته إلى كافة
العرب والعجم والجن والإنس فنسخ بشريعته الشرائع إلا ما قرره منها ، وفضله على
سائر الأنبياء وجعله سيد البشر ، ومنع كمال الإيمان بشهادة التوحيد ، وهو قول
"لا إله إلا اللّه" ما لم تقترن بها شهادة الرسول وهو قولك "محمد
رسول اللّه" وألزم الخلق تصديقه في جميع ما أخبر عنه من أمور الدنيا والآخرة
، وأنه لا يُقبل إيمانُ عبدٍ حتى يؤمن بما أخبر به بعد الموت ، وأوله سؤال منكر
ونكير ، وهما شخصان مهيبان هائلان يقعدان العبد في قبره سويا ذا روح وجسد فيسألانه
عن التوحيد والرسالة ويقولان له : من ربك وما دينك ومن نبيك ، وهما فتانا القبر
وسؤالهما أول فتنة بعد الموت ، وأن يؤمن بعذاب القبر ، وأنه حق ، وحكمه عدل على
الجسم والروح على ما يشاء ، وأن يؤمن بالميزان ذي الكفتين واللسان ، وصِفَتُهُ في
العِظَمِ أنه مثل طبقات السماوات والأرض ، توزن الأعمال بقدرة اللّه تعالى والصنج
يومئذ مثاقيل الذر والخردل تحقيقاً لتمام العدل ، وتوضع صحائف الحسنات في صورة
حسنة في كفة النور فيثقل بها الميزان على قدر درجاتها عند اللّه بفضل اللّه ،
وتطرح صحائف السيئات في صورة قبيحة في كفة الظلمة فيخف بها الميزان بعدل اللّه ،
وأن يؤمن بأن الصراط حق ، وهو جسر ممدود على متن جهنم ، أحدّ من السيف وأدق من
الشعرة ، تزل عليه أقدام الكافرين بحكم اللّه سبحانه فتهوي بهم إلى النار ، وتثبت
عليه أقدام المؤمنين بفضل اللّه فيساقون إلى دار القرار ، وأن يؤمن بالحوض المورود
حوض محمد صلى اللّه عليه وسلم يشرب منه المؤمنون قبل دخول الجنة وبعد جواز الصراط
، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا ، عرضه مسيرة شهر ، وماؤه أشد بياضاً من
اللبن وأحلى من العسل ، حوله أباريق عددها بعدد نجوم السماء ، فيه ميزابان يصبان
فيه من الكوثر ، وأن يؤمن بالحساب ، وتفاوت الناس فيه إلى مناقَش في الحساب ، وإلى
مسامح فيه ، وإلى من يدخل الجنة بغير حساب ، وهم المقربون فيسألُ اللّهُ تعالى من
شاء من الأنبياء عن تبليغ الرسالة ، ومن شاء من الكفار عن تكذيب المرسلين ، ويسأل
المبتدعة عن السنة ، ويسأل المسلمين عن الأعمال ، وأن يؤمن بإخراج المُوَحِّدين من
النار بعد الانتقام ، حتى لا يبقى في جهنم مُوَحّدٌ بفضل اللّه تعالى ، فلا يخلد
في النار موحّد ، وأن يؤمن بشفاعة الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء ، ثم سائر
المؤمنين ،كل على حسب جاهه ومنـزلته عند اللّه تعالى ، ومن بقي من المؤمنين ولم
يكن له شفيع أُخْرِجَ بفضل اللّه عز وجل فلا يخلد في النار مؤمن ، بل يخرج منها من
كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان ، وأن يعتقد فضل الصحابة رضي اللّه عنهم
وترتيبهم ، وأن أفضل الناس بعد النبي صلى اللّه عليه وسلم : أبو بكر ثم عمر ثم
عثمان ثم علي رضي اللّه عنهم ، وأن يحسن الظن بجميع الصحابة ويثني عليهم كما أثنى
اللّه عز وجل ورسوله صلى اللّه عليه وسلم عليهم أجمعين ، فكل ذلك مما وردت به
الأخبار وشهدت به الآثار ، فمن اعتقد جميع ذلك موقناً به ، كان من أهل الحق وعصابة
السنة ، وفارَقَ رَهْطَ الضلال وحِزْبَ البدعة ، فنسأل اللّه كمال اليقين وحسن
الثبات ، لنا ولكافة المسلمين ، برحمته إنه أرحم الراحمين ، وصلى اللّه على سيدنا
محمد وعلى آله وصحبه أجمعين..
والحمد لله رب العالمين.